أحمد بن علي القلقشندي

286

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

سبل طريقه ، فوقفت عليها وقوف السّارّ ( 1 ) بورودها ، المستسعد بوفودها ، المبتهل إلى اللَّه في إبقاء مهجته التي يتشرّف الوجود بوجودها : وليس بتزويق اللَّسان وصوغه ولكنّه قد مازج اللَّحم والدّما ! وفضضتها عن مثل النّور تفتحه الصّبا ، وبرود الرّياض تساهمت في اكتساء وشيها الأهضاب والرّبا ؛ يكبو جواد البليغ في مضمار وصفها ، وينبو عضب لسانه عن مجاراتها في رصفها ؛ يخجل محيّا النهار بياض طرسها ، ويودّ الليل لو نفضت عليه صبغة نقسها ، وتحسد الكواكب رائق معانيها ، وتتمنّى لو أعيرت فضل إشراقها وتلاليها ، في كلّ فقرة روضة وكلّ معنى كأس مدام ، وكلّ ألف ساق وكلّ سين طرّة غلام ، وكلّ واو عطفة صدغ وكلّ نون تقويس حاجب ، وكلّ لام مشقة عذار وكلّ صاد خطَّة شارب ؛ تصيب من سامعها أقصى ما يراد بالنّفث في العقد ، وتستولي بلفظها على لبّه استيلاء الجواد على الأمد . فلما اجتليت منها المعاني المسهبة في اللَّفظ الموجز ، وأجلت طرفي منها ما بين نزهة المطمئنّ وعقلة المستوفز ، وأسلمت قيادي إلى سحرها المحلَّل وإن جنى قتل العاشق المتحرّز - علمت أن سيّدنا أجرى في حلبة السّباق فحاز قصب سبقها ، وذلَّلت له البلاغة فتوغَّل في شعابها وطرقها ، وحكَّمت يده في أعنّة الفضائل فسلَّمت القوس إلى باريها ، ودرجات العلى إلى مستحقّيها ؛ فمن وائل ؟ ومن سحبان ؟ ومن عبد الحميد ؟ وابن صوحان ، وأيّ خبر يقابل العيان ؟ ومن يقاوم ما هو كائن بما كان ؟ ؛ فسألت خاطري الجامد أن يعارض بوابله طلَّها ، وأن يقابل بجثمانه ظلَّها ، وأن يجاريها في حلبة المساجلة وإن دعي بالسّكيت ، ولقد أسمعت لو ناديت حيّا وكيف بنطق من ميت ؛ وأنّى يطمع في مجاراة البحر ولات حين لعلّ أوليت ؛ فوجدته أصلد من

--> ( 1 ) كذا في الأصل . ولعله « المسرور » .